ابن يعقوب المغربي
631
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
أصلا ولا بما يحتاج إليه للقافية والوزن ، وإنما العبرة بأصل المعنى في التركيب وهو يصح بكل منهما ( و ) احترز أيضا بقوله لفائدة عن ( الحشو ) وهو أن يزاد في الكلام زيادة بلا فائدة بشرط تعين تلك الزيادة ، فالفرق بين الحشو والتطويل على هذا تعين الزيادة وعدمها ثم الحشو لما تعينت فيه الزيادة تصور فيه قسمان : أحدهما : ما يسمى بالحشو ( المفسد ) لإفادته معنى فاسدا وذلك ( كالندى ) وهو الكرم ( في قوله ) أي : المتنبي ( ولا فضل فيها ) " 1 " أي : في الدنيا ( للشجاعة والندى وصبر الفتى لولا لقاء شعوب ) بفتح الشين وهو من أسماء المنية ، سميت بذلك للتشعب أي : التفرق بها وهو علم على جنسها فهو ممنوع من الصرف صرفه للضرورة ، وقد علم أن لولا حرف امتناع لوجود ، امتنع جوابها لوجود شرطها ، وجوابها نفى الفضل من الدنيا المدلول عليه بقوله : ولا فضل فيها والشرط وجود لقاء الموت ، فكأنه يقول لولا لقاء الموت ما كان فضل للشجاعة ولا للصبر ولا للكرم فيكون وجود لقاء الموت مانعا من نفى الفضل ، ونفى النفي إثبات فيؤول حاصل المعنى إلى أن وجود لقاء الموت مقتض فضل الشجاعة وفضل الصبر وفضل الكرم ، ولو انتفى الموت لم يثبت فضل ، وهذا المعنى - أعنى استلزام وجود الموت لفضل الشجاعة ونفيه لنفى فضل الشجاعة - صحيح ؛ لأن الإنسان متى علم أنه لا يموت لم يبال بالاقتحام للشدائد للنصر على الأعداء ، وهذا المعنى يستوى فيه الناس جميعا فلا فضل على تقديره لأحد على أحد في الشجاعة ، بخلاف ما إذا علم أنه يموت ومع ذلك يقتحم فلا يكاد يوجد هذا المعنى إلا لأفراد قلائل من الناس فيثبت لهم الفضل باختصاصهم بما لا طاقة لكل أحد عليه ، وكذا الصبر على شدائد الدنيا لو انتفى الموت لم يكن له فضل ؛ لأن الناس كلهم إذا علموا أن لا موت بتلك الشدة صبروا حرصا على فضيلة نفى الجزع ، إذ لا يفضى إلى الموت الذي هو أعظم مصيبة وما دونها جلل ، ومع ذلك لا بد أن تزول عادة بخلاف ما إذا علم الإنسان أن تلك الشدة ربما أفضت إلى الموت الذي هو أشد الشدائد ، ومع ذلك يصبر عليها وإن أدت إلى الموت فهذا لا يتصف به إلا القليل من الناس فيثبت له الفضل ،
--> ( 1 ) البيت لأبى الطيب المتنبي في شرح ديوانه ( 2 / 73 ) ، وأورده محمد بن علي الجرجاني في الإشارات ص ( 143 ) .